فخر الدين الرازي
140
تفسير الرازي
فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها : أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات ، وأما من حمله على جميع الحيوانات . قال : المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال : المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفاً بوصف الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب . المسألة الثانية : قرأ الجمهور : * ( قدر ) * مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال القفال : معناه ملك فهدى وتأويله : أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : * ( فقدرنا فنعم القادرون ) * بالتشديد والتخفيف . المسألة الثالثة : أن قوله : * ( قدر ) * يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السماوات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقداراً معلوماً على ما قال : * ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وما ننزله إلا بقدر معلوم ) * ( الحجر : 21 ) وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه الآية . وتفصيل هذه الجملة . أما قوله : * ( فهدى ) * فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى ، وقوله : * ( فهدى ) * عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدراً لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، وللمفسرين فيه وجوه ، قال مقاتل : هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون : هداه للمعيشة ورعاه ، وقال آخرون : هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، وذلك لأنه جعله حساساً دراكاً متمكناً من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال : * ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) * ( الإنسان : 3 ) وقال : * ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ) * ( الشمس : 8 , 7 ) وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء : قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر إحداهما : كقوله : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 81 ) وقال آخرون : الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله : * ( وإنك لتهدي ) * ( الشورى : 52 ) أي تدعو ، وقد دعى الكل إلى الإيمان ، وقال